أبو حامد الغزالي
159
تهافت الفلاسفة
يكن هذا ذاك ، ولا ذاك هذا ، فإما أن يستغنى كل واحد منهما عن الآخر في وجوده ، أو يفتقر كل واحد إلى الآخر ، أو يستغنى واحد عن الآخر ويحتاج الآخر ؛ فإن فرض كل واحد مستغنيا ، فهما واجبا وجود ، وهذه التثنية المطلقة ؛ وهو محال . وإما « 1 » أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر ، فلا يكون واحد منهما واجب الوجود ، إذ معنى واجب الوجود ، ما قوامه بذاته ، وهو مستغن من كل وجه عن غيره ، فما احتاج إلى غيره ، فذلك الغير علته ، إذ لو رفع ذلك الغير ، لا متنع وجوده ، فلا يكون وجوده من ذاته ، بل من غيره . وإن قيل « 2 » : أحدهما يحتاج دون الآخر ، فالذي يحتاج معلول ، والواجب الوجود هو الآخر ، ومهما كان معلولا افتقر إلى سبب ، فيؤدى إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب . والاعتراض على هذا أن يقال : المختار من هذه الأقسام هو القسم الأخير . ولكن إبطالكم القسم الأول وهو التثنية المطلقة ، قد بينا أنه لا برهان لكم عليه ، في المسألة التي قبل هذه ، وأنها لا تتم إلا بالبناء على نفى الكثرة في هذه المسألة وما بعدها ، فما هو فرع هذه المسألة ، كيف تنبنى هذه المسألة عليه ؟ ! . ولكن المختار أن يقال : الذات في قوامها غير محتاجة إلى الصفات ، والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا . فيبقى قولهم : إن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود . فيقال لهم : إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلة ، فلم قلتم ذلك « 3 » ؟ ! ولم استحال أن يقال : كما أن ذات واجب الوجود قديم ، ولا فاعل له ، فكذلك صفته قديمة معه ، ولا فاعل لها ؛ وإن أردتم بواجب الوجود
--> ( 1 ) الأولى أن يحذف « إما » ويقول : « وإن احتاج » ليتفق مع سابق الكلام ، إذ هو المقابل الثاني . ( 2 ) هو المقابل الثالث . ( 3 ) إشارة إلى قولهم باستحالة الفرض الذي يكون فيه أحدهما محتاجا إلى الآخر .